أبي الفرج الأصفهاني

283

الأغاني

فأقول له : ويحك ! لا تزيدني على هذه ! فيقول سألتني عن أجود شعر أبي وهذه أجود شعره ، وقد كان يقدّمها على جميعه . ذهب إلى الشأم ونزل على نميري فأكرمه : حدّثني ابن عمّار قال حدّثني النّوفليّ قال حدّثني علي بن عبد الملك الكعبيّ من ولد كعب مولى الحجّاج قال حدّثني فلان العلَّامة التّميميّ يرويه عن جرير قال : ما ندمت على هجائي بني نمير قطَّ إلا مرّة واحدة ، فإنّي خرجت إلى الشأم فنزلت بقوم نزول في قصر لهم في ضيعة من ضياعهم ، وقد نظرت إليه من بين القصور مشيّدا حسنا وسألت عن صاحبه فقيل لي : هو رجل من بني نمير . فقلت : هذا شآم وأنا بدويّ لا يعرفني ، فجئت فاستضفت . فلما أذن لي ودخلت عليه عرفني فقراني أحسن القرى ليلتين ، فلما أصبحت جلست ، ودعا بنيّة له فضمّها إليه وترشّفها ، فإذا هي أحسن الناس وجها ولها نشر لم أشمّ أطيب منه . فنظرت إلى عينيها فقلت : تاللَّه ما رأيت أحسن من عيني هذه الصبيّة ولا من حورها قطَّ ، وعوّذّتها : فقال لي : يا أبا حزرة ، أسوداء المحاجر [ 1 ] هي ؟ فذهبت أصف طيب رائحتها . فقال : أصنّ وبر هي [ 1 ] ؟ فقلت : يرحمك اللَّه ! إنّ الشاعر ليقول ، / وو اللَّه لقد ساءني ما قلته ، ولكن صاحبكم بدأني فانتصرت ، وذهبت أعتذر . فقال : دع ذا عنك أبا حزرة ، فو اللَّه ما لك عندي إلا ما تحبّ . قال : وأحسن واللَّه إليّ وزوّدني وكساني ، فانصرفت وأنا أندم الناس على ما سلف منّي إلى قومه . كان المفضل من أنصار الفرزدق فحاجه محاج بقصيدته السينية : أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن يعقوب بن داود قال حدّثني ابن أبي علقمة الثّقفيّ قال : كان المفضّل يقدّم الفرزدق ، فأنشدته قول جرير : حيّ الهدملة من ذات المواعيس فالحنو أصبح قفرا غير مأنوس [ 2 ] / وقلت أنشدني لغيره مثلها فسكت . قال : وكان الفرزدق إذا أنشدها يقول : مثلها فليقل ابن اللَّخناء . رثاء الفرزدق ابن أخيه وجرير ابنه : أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدّثنا محمد بن سلام قال حدّثني عبد الجبّار بن سعيد بن سليمان المساحقيّ عن المحرّر [ 3 ] بن أبي هريرة قال :

--> [ 1 ] يشير إلى قول جرير في القصيدة البائية التي هجا بها الراعي وذكر فيها نساء بني نمير : وخضراء المغابن من نمير يشين سواد محجرها النقابا ويشير بقوله « أصن وبرهي » إلى قول جرير في هذه القصيدة أيضا : تطلى وهي سيئة المعرّى بصنّ الوبر تحسبه ملابا والوبر : دويبة على قدر السنور . وصنه بوله ، وهو منتن جدّا . والملاب : الطيب . [ 2 ] الهدملة والمواعيس والحنو مواضع . [ 3 ] كذا في ح و « شرح القاموس » والخلاصة في أسماء الرجال ، وهو المحرر بن أبي هريرة الدوسي ، تابعي . وفي الأصول : « المحرز » بالزاي وهو تصحيف .